| ||||
|
نشأ «أردوغان» في أسرة فقيرة، فقد قال في مناظرة تلفزيونية مع «دنيز بايكال»، رئيس «الحزب الجمهوري» ما نصه: «لم يكن أمامي غير بيع البطيخ والسميط في مرحلتي الابتدائية والإعدادية؛ كي أستطيع معاونة والدي وتوفير قسم من مصروفات تعليمي؛ فقد كان والدي فقيراً». أتم تعليمه في مدارس «إمام خطيب» التعاليم الدينية، ثم في كلية الاقتصاد والأعمال في جامعة مرمرة، ومن الغريب أن العمالقة لا يستنكفون الحديث عن أسرهم الفقيرة، ولا يقفون عند ما يظنه الناس شيئاً معيباً، وهو في حقيقته مفخرة للعظماء الذين استطاعوا مقاومة الضغوط الهائلة التي تمنع المهازيل من الصعود للقمم. انضم «أردوغان» إلى حزب «الخلاص الوطني» بقيادة «نجم الدين أربكان» في نهاية السبعينيات، لكن مع الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1980م، تم إلغاء جميع الأحزاب، وبحلول عام 1983م عادت الحياة الحزبية إلى تركيا، وعاد نشاط «أردوغان» من خلال حزب «الرفاه»، خاصةً في محافظة إسطنبول، وبحلول عام 1994م رشح حزب «الرفاه» «أردوغان» إلى منصب عمدة إسطنبول، واستطاع أن يفوز في هذه الانتخابات خاصةً مع حصول حزب «الرفاه» في هذه الانتخابات على عدد كبير من المقاعد. ولما فاز «أردوغان» برئاسة بلدية إسطنبول عام 1994م وعمل على تطوير البنية التحتية للمدينة، وإنشاء السدود ومعامل تحلية المياه لتوفير مياه شرب صحية لأبناء المدينة، وكذلك قام بتطوير أنظمة المواصلات بالمدينة من خلال أنشطة شبكة مواصلات قومية، وقام بتنظيف الخليج الذهبي (مكب نفايات سابقاً) حتى أصبح معلماً سياحياً كبيراً، وبهذه الطريقة استطاع «أردوغان» تحويل مدينة إسطنبول إلى معلم سياحي كبير، لا يمكن وصف ما قام به إلا أنه انتشل بلدية إسطنبول من ديونها التي بلغت ملياري دولار إلى أرباح واستثمارات وبنمو بلغ 7%، بفضل عبقريته ويده النظيفة وبقربه من الناس لا سيما العمال ورفع أجورهم ورعايتهم صحياً واجتماعياً.. خلال فترة رئاسته لبلدية إسطنبول حقق «أردوغان» إنجازات للمدينة، الأمر الذي أكسبه شعبية كبيرة في عموم تركيا، لكن هذه الشعبية لم تشفع له حينما خضع لإجراءات قضائية من قبل محكمة أمن الدولة، وفي عام 1998م انتهت بسجنه بتهمة التحريض على الكراهية الدينية ومنعه من العمل في وظائف حكومية، ومنها طبعاً الترشيح للانتخابات العامة. خاض حزب «العدالة والتنمية» الانتخابات التشريعية عام 2002م، وحصل على 363 نائباً، مشكلاً بذلك أغلبية ساحقة، لم يستطع «أردوغان» من ترؤس حكومته بسبب تبعات سجنه، وقام بتلك المهمة «عبدالله جول»، تمكن في مارس عام 2003م من تولي رئاسة الحكومة بعد إسقاط الحكم عنه. بعد توليه رئاسة الوزراء، عمل على الاستقرار والأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تركيا، وتصالح مع الأرمن بعد عداء تاريخي، وكذلك فعل مع اليونان، وفتح جسوراً بينه وبين أذربيجان وبقية الجمهوريات السوفييتية السابقة، وأرسى تعاوناً مع العراق وسورية، وفتح الحدود مع عدد من الدول العربية ورفع تأشيرة الدخول، وفتح أبواباً؛ اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً مع عدد من الدول العالمية، وأصبحت مدينة إسطنبول العاصمة الثقافية الأوروبية عام 2009م، أعاد لمدن وقرى الأكراد أسماءها الكردية بعدما كان ذلك محظوراً، وسمح رسمياً بالخطبة باللغة الكردية. كان موقف «أردوغان» موقفاً «حازماً» ضد خرق «إسرائيل» للمعاهدات الدولية وقتلها للمدنيين أثناء الهجوم الصهيوني على غزة، فقد قام بجولة في الشرق الأوسط تحدث فيها إلى قادة الدول بشأن تلك القضية، وكان تفاعله واضحاً مما أقلق الكيان الصهيوني، ووضع تركيا في موضع النقد أمام «إسرائيل»، وقال «أردوغان»: «إني متعاطف مع أهل غزة». وفي 29 يناير غادر «أردوغان» منصة مؤتمر «دافوس» احتجاجاً على عدم إعطائه الوقت الكافي للرد على الرئيس الصهيوني «شيمون بيريز» بشأن الحرب على غزة، بعد أن دافع الرئيس الصهيوني عن «إسرائيل»، وموضوع صواريخ «القسام» التي تطلق على المستوطنات، وتساءل بصوت مرتفع وهو يشير بإصبعه عما كان «أردوغان» سيفعله لو أن الصواريخ أُطلقت على إسطنبول كل ليلة، وقال أيضاً: «إسرائيل لا تريد إطلاق النار على أحد لكن «حماس» لم تترك لنا خياراً». رد «أردوغان» على أقوال «بيريز» بعنف وقال: لا يحق لك أن تتحدث بهذه اللهجة والصوت العالي الذي يثبت أنك مذنب، وتابع: إن الجيش «الإسرائيلي» يقتل الأطفال على شواطئ غزة، ورؤساء وزرائكم قالوا لي: إنهم يكونون سعداء جداً عندما يدخلون غزة على متن دباباتهم، ولم يترك مدير الجلسة الفرصة لـ«أردوغان» حتى يكمل رده على «بيريز»، فانسحب رئيس الوزراء التركي بعد أن خاطب المشرفين على الجلسة قائلاً: «شكراً لن أعود إلى «دافوس» بعد هذا، أنتم لا تتركونني أتكلم وسمحتم للرئيس «بيريز» بالحديث مدة 25 دقيقة». احتشد الآلاف ليلاً لاستقبال «أردوغان» بعد ساعات من مغادرة مؤتمر «دافوس» حاملين الأعلام التركية والفلسطينية، ولوَّحوا بلافتات كُتب عليها «مرحباً بعودة المنتصر في دافوس»، و«أهلاً وسهلاً بزعيم العالم»، وعلقت «حماس» على الحادث بالقول: «على الحكام العرب أن يقتدوا به». منحته السعودية جائزة «الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام» (لعام 1430هـ/ 2010م)، وقال عبدالله العثيمين، الأمين العام للجائزة: إن لجنة الاختيار لجائزة خدمة الإسلام التي يرأسها في ذلك الوقت ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز اختارت «أردوغان» لقيامه بجهود بناءة في المناصب السياسية والإدارية التي تولاَّها، «ومن تلك المناصب أنه كان عمدة مدينة إسطنبول حيث حقَّق إنجازات رائدة في تطويرها، وبعد أن تولَّى رئاسة وزراء وطنه تركيا أصبح رجل دولة يشار بالبنان إلى نجاحاته الكبيرة ومواقفة العظيمة؛ وطنياً وإسلامياً وعالمياً»، وقد تم منحه شهادة دكتوراه فخرية من جامعة أم القرى بمكة المكرمة في مجال خدمة الإسلام بتاريخ 23/3/1431هـ. في 23 نوفمبر 2011م قدم «أردوغان» خلال اجتماع لحزب «العدالة والتنمية» في أنقرة اعتذاراً تاريخياً باسم دولة تركيا حول الأحداث المأساوية التي وقعت بين سنوات (1936 - 1939م) في منطقة درسيم، التي ارتكبتها الحكومة التركية آنذاك ممثلة بـ«الحزب الجمهوري» بحق الأكراد العلويين في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، وقوبل هذا الاعتذار بترحيب شديد من قبل رئاسة إقليم كردستان، والتي رحبت بتصريحات «أردوغان» وقالت: إن هذا التصريح يدفع بعملية الانفتاح الديمقراطي في تركيا إلى مرحلة أكثر تقدماً. وهكذا يستمر الرجل في تعملقه ورفعته وقد انهدت من حوله السفوح الهابطة، وانطلق في سماء الشرق والغرب متعملقاً ومنطلقاً كالصاروخ اجتماعياً واقتصادياً؛ بما أبهر الجميع؛ ليضرب المثل الحي والنموذج الفريد للأجيال، وليكون معلماً لأرجاس فقدت عزيمتها، وبددت رجولتها، وأضاعت حلومها، والله نسأل أن يوفق ويعين على الخير.. آمين.
|
Sunday, April 28, 2013
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment