Monday, May 13, 2013


الأمة الوسط




الأمة الوسط
لا مجال في الإسلام للتشدد والغلو، كما أنه لا مجال للتفريط والتمييع، فمن محاسن الشريعة الإسلامية، وكلها محاسن، أنها توازن بين مصلحة الفرد والجماعة، وتتكافأ فيها الحقوق والواجبـات، وتتوزع فيها المغانم والتبعات بالقسطاس المستقيم، وتجمع بين الدنيا والآخرة، وتركز على الجانب الروحي، كما لا تغفل الجانب المادي. رسولنا الكريم "صلى الله عليه وسلم" هو المثال الأكمل للفكر الوسطي، وأمتنا لا تكون وسطاً إلا باتّباعها له "صلى الله عليه وسلم" في سيرته وشريعته وأفعاله وأقواله. ومن الثابت أن المسلمين حين ظهروا، تزعّـموا العالم بوسطيتهم، وعزلوا الأمم المريضة التي وقعت في الإفراط والتفريط من زعامة الإنسانيّـة، فالأمة الرأسماليّة تورطت في ممارسات سلبية شجعت الفرد تملّك المال بالاحتكار والحيل والربا، والمذاهب الاشتراكيّـة اعتبرت المجتمع هو الغاية، وأهملت الحقوق الفردية، بيد أن الإسلام قدم صورة متوازنة رائعة، بوصفه ديناً جاء لإسعاد الإنسـان في الـدنيا والآخرة. 1. إن فكرة التوازن هي ضابط إيقاع البقاء والاستمرارية والصلاحية، وقد شهدنا في الكون توازناً عجيباً، شهد تناسقاً فريداً بين الليل والنهار، والظلام والنور، والحرارة والبرودة، والماء واليابس.. والمقابلات كلها بقدر وميزان وحساب.. لا يطغى شيء منها على مقابله، ولا يخرج عن حدّه المقدّر له.. وكذلك الشمس والقمر والنجوم، والمجموعات الكونيّة السابحة في فضاء الكون الفسيح.. كل منها يسبح في مداره، ويدور في فـلكه، دون أن يصدم غيـره، أو يخرج عن دائرته، وتأتي الآيات القرآنية لتجلي هذا المعنى وتؤكده؛ { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ"49"}(القمر)، { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ}(الملك:3)، { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)}(الفرقان)، { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ }(السجدة:7)، { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}(النمل:88). إن الفلسفات والمذاهب الأرضية لم تعرف التوازن، فقد وقعت في تحيزات صارخة وفاضحة للفرد تارة وللمجتمع أخرى، والحال أن عالم اليوم يقوم فيه صراع ضخم بين المذهب الفردي والمذهب الجماعي، فنرى الرأسماليّة تقوم على تـقديس الفرديّـة، واعتبار الفرد هو المحور الأساسي، فهي تدلّـله بإعطاء حرية التملّك، وحرية القول، وحرية التصرّف، وحرية التمتع، ولو أدّت هذه الحريات إلى إضرار نفسه، وإضرار غيره، ما دام يستخدم حريـته الشخصيـة، ومن ثم فهو يتملّك المال بالاحتكار، والحيل، والربا، وينفـقه في اللهو والخمر والفجور، ويمسكه عن الفقراء والمساكـين والمعوزيـن، ولا سلطان لأحد عليه، لأنه «حر». وتأتي المذاهب الاشتراكيّـة - وبخاصة المتطرّفة منها كالماركسيّـة - تقوم على الحطّ من حقوق الفرد، والتقليل من حريَّته، والإكثار من واجباته، واعتبار المجتمع هو الغاية، وهو الأصل.. وما الأفراد إلا أجزاء أو تروس صغيرة في تلك «الآلة» الجبّـارة، التي هي الحزب الحاكم، وإن شئت قلت: «اللجنة العليا للحزب»، وربما كانت زعيم الحزب «الدكتاتور»، وأن الفرد ليس له حق التملّك إلا في بعض الأمتعة والمنقولات، وليس له حق المعارضة، ولا حق التوجيه، وإذا حدّثـته نفسه بالنقـد العلني أو الخفي، فإن السجون والمنافي وحبال المشانق له بالمرصاد. في مقابل ذلك جاء الإسلام ليقـيم التوازن في الحياة، والقسط بين الناس، قال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(الحديد:25)، وسار بالإنسانيّـة سيراً حثيثاً متزناً عادلاً، توافرت فيهم تلك الفكرة الوسطيّـة التي أهّـلت المسلمين لقيادة الأمم، وضمنت السعادة والفلاح في ظل تلك القيادة، تلك الفكرة المنبثقة من كتاب منزل، وشريعة إلهيّـة، لتؤدّي في حياة البشر دوراً خاصـاً، لا ينهض به سواها، حيث إقرار منهج الله في الحياة، وتحقيقه في صورة واقعيّـة، ذات معالم منظورة، تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال، ومشاعر وأخلاق، وأوضاع وارتباطات. وهي لا تحقق غاية وجودها، ولا تستقيم على طريقها، ولا تنشئ في الأرض هذه الصورة الوضيئة المضيئة الفريدة من الحياة الواقعيّة الخاصة المتميّـزة إلا إذا تلقّت من منهج الله وحده، وفي ظل ذلك تنمو العقول وتتفتّـح، وتـتعرّف على ما في الكون وأسراره، وتسخّـر قواه وطاقاته ومدّخراته.. كل هذا لخير البشريّـة، لا للتهديد بالخراب والدمار، والضياع والبوار، قال تعالى: { كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}(البقرة:143). والوسط هو العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط ميلٌ عن الجادة القويمة، فهو شرّ ومذموم، ومن ثم فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسّـط بينهما، وقال الأستاذ الإمام: ولكن يقال: لِمَ اختير لفظ «الوسط» على لفظ الخيار، مع أن هذا هو المقصود، والأول إنما يدل عليه بالالتـزام؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي: فإن الشاهد على الشيء لابـدّ أن يكون عارفاً به، ومن كان متوسّـطاً بين شيئـين فإنه يرى أحدهما من جانب، ويرى الثاني من الجانب الآخر، وأما من كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة الطرف الآخر، ولا حقيقة الوسط أيضاً، والثاني: أن في لفظ الوسط إشعاراً بالسببيّـة، فكأنه دليل على نفسه، أي أن المسلمين خيار وعدول؛ لأنهم وسط، ليسوا من أرباب الغلوّ في الدّين المفْـرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرّطـين، فهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال. إن الأمة الإسلاميّة جمع الله لها في دينها بين الحقّين: حـقّ الروح، وحقّ الجسد، فهي روحانيّـة تعنى بحق الإنسان في الحياة، وإن شئت قلت: إنه أعطاها جميع حقوق الإنسانيّـة، فإن الإنسان مادة وروح، فكأنه قال: جعلناكم أمة وسطاً تعرفون الحقّين، وتبلغون الكمالين «لِتَكُونُواْ شُهَدَاء» بالحق «عَلَى النَّاسِ» الماديّين، بما فرّطوا في جنب الدّين، والروحانيّين إذا أفرطوا وكانوا من الغالين، تشهدون على المفرّطين بالتعطيل، القائلين: { وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ}(الجاثية:24) بأنهم أخلدوا إلى البهيميّة، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانيّـة، وتشهدون على المفْرطين بالغلوّ في الدّين، القائلين: إن هذا الوجود حـبس للأرواح، وعقوبة لها، فعلينا أن نتخلّص منه بالتخلّي عن جميع اللذات الجسمانيّـة، وتعذيب الجسم، وهضم حقوق النفس، وحرمانها من جميع ما أعدّه الله لها في هذه الحياة، والله من وراء القصد.
(With Thanks to highly esteemed religious magazine 'Al-Mujtama'a)
(

No comments: